محمد بن محمد ابو شهبة
604
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
تقابله المرأة فتعظه ، وتذكره ، وتنصحه بتقوى اللّه في الخلق ، فإذا به يتطامن لها ويبكي حتى تخضل لحيته ! ! وذلك كقصته مع السيدة خولة بنت ثعلبة بن حكيم ، والمرأة الأعرابية التي كانت تعلل أولادها ، وهم يتضاغون من الجوع حتى ناموا . . . والناس طبائع ، ومعادن ، وفطرتهم ليست واحدة ، ومرد ذلك كله إلى اللّه جل جلاله - فسبحانه ، سبحانه ، تقدست أسماؤه ، وتباركت صفاته ووسع علمه كل شيء ، وجلّت حكمته ، وعجزت العقول ، مهما بلغت عن إدراك كنهه وأسراره ، فله المثل الأعلى ، وله الحكمة البالغة . وقد أوحى إلى نفسي بما كتبت هذه المقارنة البديعة الصادقة التي صدع بها المثل الكامل صلى اللّه عليه وسلم عقب استشارة أصحابه في أسارى غزوة بدر ، فأدلى الصديق برأيه وهو أخذ الفداء وتركهم عسى أن يهداهم أو يخرج اللّه من أصلابهم من يرضي اللّه وينصر دينه ، وكان رأي الفاروق أن يقتلوا ولا يؤخذ منهم فداء ، فقال النبي : « إن اللّه ليلينّ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ، وإن اللّه ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة . وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » . وكمثل عيسى قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » . وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً « 3 » . وكمثل موسى قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ « 4 » . أنتم اليوم عالة ، فلا يفلتنّ
--> ( 1 ) سورة إبراهيم : الآية 36 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 118 . ( 3 ) سورة نوح : الآية 26 . ( 4 ) سورة يونس : الآية 88 .